هشام جعيط

239

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إلى الجنوب الغربي من الكوفة . كانت هذه الخطة تنفتح على الغرب ، وكانت غير محددة ، فاتسعت الكناسة ونجت من هيمنة أسد المقيمة هناك . ثم أصبحت فيما بعد ، وبصورة سريعة جدا سوقا للبغال ومكانا لحط الأحمال عن قوافل الجمال القادمة من بلاد العرب ، فوجب تحديدها على الطريق الرابطة بين الحيرة ومكة إلى الجنوب الغربي ، وإبعادها من المركز إلى أقصى حد . لم تدمج الكناسة في المدينة خلال العصر العباسي حين أقيم الحزام ، وهذا ما يوضح القول الذي كثيرا ما ورد في تأليف أبي مخنف : « يدخل الكوفة من قبل الكناسة » « 1 » . وكان المقدسي واضحا جدا فقال إن الكناسة كانت موجودة من جهة البادية أي من جهة البادية العربية « 2 » . ه ) سيطر إبراهيم على المنطقة الجنوبية ، فعجل الخطى إلى المختار معيدا المسير في الاتجاه المعاكس ، مر بأسد والنخع وكندة ، وبالمسجد الصغير للأشعث بن قيس ، ودخل الساحة المركزية فبلغ المختار من جهة القصر ، كما ذكر « 3 » . وقائع المختار ، مشاكل تحديد المواضع كان علينا متابعة تطور الثورة خطوة خطوة لكي نزداد إحاطة بمظهر المدينة والأماكن الرئيسة التي ينبغي التعرف عليها . ستبقى بعض هذه الأماكن يكتنفها الغموض إلى الأبد في حين أن بعض الأماكن الأخرى ستتضح معالمها بتقدم البحث . والواجب أن نميّز بين المعارك التي قادها المختار في الكوفة ، أي الثورة على السلطة التي أقامها ابن الزبير - نعني ابن مطيع الوالي وشرطته وحشود القبائل الخاضعة له - والثورة التي قادها الأشراف بعد مدة على حكمه ، وأخيرا مقاومته لغزو الكوفة بقيادة مصعب بن الزبير انطلاقا من البصرة . هذه إذن ثلاث مراحل سنجتازها بخطى وئيدة ونتقدم بفضلها في معرفة الكوفة . المرحلة الأولى : ثورة المختار لقد سبق أن قلنا إن إبراهيم لحق به شمال المسجد . وما يلفت النظر أن المختار أقام معسكره بالسبخة ، وهو موضع سيجري فيه القتال ضدّ شبيب وزيد بن علي . وكلمة سبخة تعني منطقة جافة مالحة وهي صفة تنطبق على النجاف تلك البحيرة المالحة القديمة الواقعة

--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 29 مثلا . ( 2 ) أحسن التقاسيم . . . ، ص 117 : جاء بالكتاب « من جهة البادية » وهي عبارة غامضة لكنها ترجح الاتجاه إلى الجنوب الغربي ، لأن الغرب يعني الاتجاه إلى النجف تماما . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 22 .